الرئيسية / بيئة / خـــــــلاصــــــــــــــــــــــــــات غـــــــــرابـــــــــة الـــــــجـــــــســــــــد :

خـــــــلاصــــــــــــــــــــــــــات غـــــــــرابـــــــــة الـــــــجـــــــســــــــد :

في ذاته تكمن معضلته ، ذلك هو قدر جسدنا حين تتحول رقعته إلى ساحة معركة خاسرة تداهمها حرب الأيام ، وتـلتهمها صقور الـوباء والـداء فتغدو تفاصيل الجسد مثقلة بتجاعيد مقلقة ..
ما أتعس كائن يعرف نهايته ، ويعرف مصير خاتمته الفناء ، فيسكنه شقاء الوعي وقـلـق الـوجود إلى جانب فسحة الأمل والسعادة ..
مفارقات في غاية الغرابة تستهدف الجسد الإنساني بالسليقة فيغدو رديفا للسعادة والشقاء ، موزعا بين صراع الحرية والخضوع ، محكوما عليه بعـذاب الغـرائـز ، يعيش عبودية طوعية في سجن أفلاطوني متعفن لا أفق فيه للتحرر إلا بتدميره ..
تلك هي حقيقة الجسد المقهور ، فجسد آدم ليس هو جسد أبنائه ، فالأول على الأقل عاش لحظات السعادة والمطلق بينما أبناؤه سيظلون يتطلعون بأجسادهم نظريا إلى ما عاشه أبوهم واقعيا ..

منذ وعي الإنسان بذاته أدرك أن لكل شخص جسدا يختلف بالضرورة عن جسد أغياره
فلا قيمة للواقع بدون جسد ، فالجسد علامة الحضور ، ورمز لتجليات الروح ، إنه أيقونة الجمال والقبح ، وعلامة إشارية تحمل في طياتها بوادر ميلادها وفنائها ..
لقد شَكَّل هذا الجسد في تكوينه الأنطولوجي مشكلة تخطّت حدود العقل ، فهو من منظور الدين الإسلامي عورات ، لكن إكرامه واجب عند الممات باعتباره لفيف الروح المقرون ، في حين اعتبرته المسيحية وعـاء الروح المقدس ، بينما اعتبرته الدراسات الإنسانية نتاجا لتحولات المجتمع وسلوكياته المستوحاة من التقاليد والعادات ..
وبناء على تطور العصر أصبحت الهوية الجسدية معيارا للبحث عن خصوصية مفقودة داخل مجتمع يتدحرج بسرعة آلية نحو عبودية جديدة مزقتها عولمة مسرطنة تستهدف أجساد المجتمعات المقهورة ..

وعلى الرغم من ذلك يبقى الجسد وطن الروح ، مستوحيا شكله من طين ينتمي لرحم الغيب ، منه تندلق سوائل الحياة الخاضعة لمعيار الـتـناقـض ، فالدم مقدس وفي نفس الوقت مدنس ، مقدس إذا تم هدره ظلما وإجحافا ، ومدنس إذا سال حيضا أو نفاسا ، ونفس الشيء ينطبق على ماء التدفق ، فهو رمز الحلال والحرام ، حلال طاهر في العلاقات الجنسية الشرعية ، وحرام نجس في العلاقات غير الشرعية ..
على أنطولوجيا الحقيقة المطلقة يتربع الجسد باعتباره الشاهد الوحيد على وجود الموت ، فالجسد نفسه لا يدرك هذه الحقيقة لأنه ميّت بالنسبة لغيره ، لا لذاته ، ورغم ذلك يبقى جسدنا الهندسي البديع منظومة إغواء وإغراء ، وإثارة واستهواء ، معتمدا على لغته الكونية التي وحدّت الإنسان رغم اختلاف الألسن والأجناس مخترقة متاريس الجمارك ، وحواجز اللسان ، بفضل حركاته ، وإشاراته اللامتناهية ..

بتعبير فيثاغورس ، جسدنا عدد ونغم ، وتشكيل بديع ، رمز رياضي بدقة الحساب وصرامة المنطق ، وهـارمونية منبثقة من محـراب الإبـداع ..
من منطلق هذه المعايير ، إذن ، يصاغ الجسد على كيان إيديولوجي مشروط بظرفية السياسة والدين ، فالجسد لم يعـد لنا رغم القـناعة الوهـمية بأننا ملاّكـوه ، فالجميع يسعى إلى تشييئه ، وجعله قارة مستعمرة تحت تصرف خـبراء الجـسد ، مستلب على طوق العبيد ، معلّب على نسق التقليد ، يخدم المستعمرين الجدد أكثر مما يخـدم ذاتـه ، بل أكثر من هذا فهو معـلول بالضرورة ، مثخن بنقط الضعف القاتلة ، يحلم بطوق الكمال ، ويتوسل النجاة من طوق الألم ، وعذاب ما وراء الموت ، متدحرجا مرغما نحو اللاشيء المفتوح على عوالم الغيب واللاّنهاية ..

جـــــســـــد الــــشــــيــــــخــــــة بــــيــــن الــــمــــتــــعــــة والــــغــــوايــــة :

انطلاقا من هذا الاستطراد ، المفروض بظرفية السياق ، أدرك صنّأع القرار أن العيطة كأفق فكري للجماهير ينبغي عليها أن تتوغل من المجال السمعي إلى المجال البصري ، وهذه المهمة لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق إيديولوجيا الجسد ، وبالتالي يعتبر جسد الشيخة هو الفيلق المعوّل عليه في هذه المهمة لقصم ظهر الشطر المزعج للعيطة ، من هنا ركزت الإيديولوجيا الرسمية على جسد الشيخة كامرأة داخل مجتمع ذكوري يرى في جسد المرأة غواية ، وقصيدة رقّاصة قد يرتفع إيقاعها المثير سيما إذا ارتبطت بفن شعبي مكتوب بلغة الجماهير ..

دعاة إيديولوجيا الجسد رأوا في جسد الشيخة حزمة من الغرائز لابد من تفجيرها لتحريف أدب طبقي وجد للتعبير عن هموم الناس ، فركزوا على الجسد وتفاصيله المثيرة لتهييج الجماهير ، وحوّلوا مقاصد العيطة من سلاح شعبي مواكب لقضايا المجتمع إلى طابور جسداني على شاكلة طراز فن الكباري المنحرف ، وهكذا تحولت العيطة في الراهن إلى مغامرة كبرى ، فركزت على الصورة بدل الخطاب ، وعلى الغريزة بدل العقل ، وشيئا فشيئا فقدنا خطوط الينابيع الأولى لرواد العيطة ، وقصائدهم الممتعة والجريئة ، وغدونا أمام تيار منحرف وفرت له الإيديولوجيا الرسمية كل الإمكانيات لانتشاره ، فلم نعد نرى ظلا لشاعرة عبدة ، ولا لنيرية بني ملال ، ولا لربوحة ، ولا لبوشعيب البيضاوي ، ولا لغيرهم من هؤلاء الشجعان الذين جعلوا من العيطة سلاحا لمناهضة مغرب الاستعباد والظلم ..

فكيف ترضى وزارة تحمل على كاهلها وزر الثقافة بتنظيم مهرجان موسمي يسيء لمقاصد العيطة المتنورة ؟ .. كيف يتم تبديد ميزانية ضخمة ، في كل سنة ، على تهريج عيطوي ناصب العداء الطبقي لفن شعبي عبر أنفاق جمعيات لا علاقة لها بفن العيطة أساسا ؟ ..
كيف نخاف على تراث من الاندثار ونحن أول من يقوم بتدميره من الداخل ؟ .. كيف نسمح باغتيال الأصل عبر استنساخ سيمولاكرات مشوهة على غرار مواليد الأنابيب ؟

أسئلة حارقة تنتظر الأجيال المقبلة وهي ترى تراثها تغزوه جحافل الجراد والذباب ، جراد لا تربطه بالعيطة إلا صفقات الريع ، وذباب استبدل الرائع بالطنين ، وتوغل بالحشو الفاحش لغزو ذاك الكلام الجميل الذي خلّفته الأقلام الجذابة والأصوات الخلابة

ورغم صراع الظاهر والمستور تبقى العيطة فن الشعب بامتياز ، تفجرت ينابيعها الأولى على أحراش المجتمع البدوي من خلال مواضـيع إنسانـية متـنوعة ، وبمعجم لغوي مرتبط بتربة الأرض التي ترعرعت فيها ، وهذا أمر طبيعي لارتباط الشاعر ببيئته ، ولخضوعه لجدلية التأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع ..

وداخل هذه التراكمات تبقى عيطة زمان تمثل الوجه المشرق للطرب الشعبي لارتباطها بقضايا عصرها ، ويبقى خطابها صفحة من التاريخ ، خطاب يمكن وصفه بالخطاب العاق ، فلولا قصائد الماضي الجسورة لما تمكنا من معرفة بعض الصفحات المعتمة داخل كراسة التاريخ الرسمية ، فثورة أولاد زيد لم تكن لتنتشر رسميا ، ولا شعبيا ، لولا أشعار حادة الزيدية ..

ولكي لا نكون قساة على لاعبي العيطة في ملعبهم ، عليهم أن يستوعبوا الدرس التاريخي للعيطة ، وأن يبدعوا في مجالهم مثلما أبدع سلفهم ، فسر إبداع عيطة الأمس هي كونها عاشت قضايا عصرها وانبرت عليها بالنقد والغناء بينما فشلت عيطة اليوم لأنها نست حاضرها ودفنت نفسها في ماض صيغ على مقاس جبة المخزن ، فتحول التقليد تشويها وانتحالا ، والإحياء حشوا وابتذالا ..

ويبقى الشيء الجميل الذي يصادفه العاشق لأدب العيطة ، وهو يتجول في حدائقها الممتدة ، هو ريادة المرأة القروية في إبداع مسالكها الوعرة ، وهنا يضطر أي عاشق للتوقف عند هذه الظاهرة الملفتة للنظر فيلاحظ بشكل جلي إرهاصات الوعي المبكر للعنصر النسوي ، حيث قلبت المرأة الفنانة والمبدعة كل العادات الموروثة في وجه المجتمع الذكوري ، محتلة مكانة بارزة في مجال المقاومة والنضال والإبداع ، شهيدة متمردة ، مستعصية على الانصياع ، شجاعة متفردة بصيغة الشجعان قدر المستطاع ..

المراجع المعتمدة :
(1) نجيب العوفي ، جدل القراءة ، ملاحظات في الإبداع المغربي المعاصر دار النشر المغربية الدارالبيضاء ، 1983
(2) محمد بندراز ، العيطة الجبلية ، مقال منشور في الأنترنيت ، جمعية أجراس للتنمية
والثقافة والفنون الشعبية ، بتاريخ 03/07/2012
(3) محمد برادة ، سياقات ثقافية ، منشورات وزارة الثقافة ، الطبعة الأولى ، 2003
(4) عصام الدين أبو العلا ، مسرح نجيب سرور ، التوظيف الدرامي لأشكال الأدب
الشعبي ، مكتبة مدبولي ، 1989
(5) ميراني الناجي ، خربوشة … المرأة العيطة مساهمة للنقاش ، دراسة نقدية منشورة
على مواقع الجرائد الإلكترونية ، 2011 .
(6) أدونيس علي أحمد سعيد ، فاتحة لنهايات القرن ، بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة
دار العودة ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1970 ..
(7) محجوبة السباعي ، ظاهرة القايدوية في أواخر القرن 19 وأواخر القرن 20 نموذج
عيسى بن عمر ، بحث جامعي لنيل الإجازة في الاجتماعيات ، 1982 ..
(8) الدكتور يزيد عيسى السورطي ، السلطوية في التربية العربية ، عالم المعرفة العدد 362 , أبريل 2009 ..
(9) Albert Ayache , Dictionnaire biographique du mouvement ouvrier- Maghreb Maroc , édition Edif 1998 Casablanca
(10) جريدة المساء ، رواية الفنان الشعبي خالد البوعزاوي في إحدى مقابلاته الصحفية
بتاريخ 28/08/2009 ..
(11) د. وهب رومية ، الشعر والنقد ، من التشكيل إلى الرؤيا ، عالم المعرفة ، العدد
331 ، سبتمبر 2006 .
(12) آدم كوبر ، الثقافة : التفسير الأنتروبولوجي ، عالم المعرفة ، العدد 349
مارس 2008 ، ترجمة تراجي فتحي ، مراجعة ليلى الموسوي

ميراني الناجي 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*