الرئيسية / للقارئ راي / أسفي أرض السلام عبر العصور والأزمان

أسفي أرض السلام عبر العصور والأزمان

إعداد : د. منير البصكري
أستاذ باحث ـ جامعة القاضي عياض

إن من أهم القضايا التي أصبحت تشغل عقول الصفوة من العلماء والمفكرين ، وتستقطب اهتمام المشتغلين بالدراسات المستقبلية ، قضية التعايش والسلام في العالم ، بما تطرحه من تحديات تتخطى في معظمها النطاق الديني والحضاري والثقافي ، إلى مجالات من الفكر والرأي أوسع ، ومساحات ردود الفعل أرحب .
ومن هنا تأتي أهمية هذا الموضوع الذي يتناول قضية ثقافة السلام بحسبانه قيمة راقية من القيم الإنسانية .. وهي قضية بالغة الأهمية ، تستحق منا النظر والتأمل والانتهاء فيها إلى موقف واضح يعبر في حقيقته عن حضارتنا وخصوصياتنا ، ويتلاءم في جوهره مع رسالتنا ، ويعكس بطبيعته إرادتنا في التعامل العادل مع الأديان والثقافات والحضارات جميعا .
ولا يخفى أن ثقافة السلام ، مبدأ أساسي من المبادئ التي يستند إليها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، لكن الظروف التي أصبح عليها عالم اليوم ، تجعلنا نواجه العديد من التحديات التي تعصف بالسلام والتعايش السلمي بين شعوب العالم ، وتدعونا للسعي إلى تبني استراتيجيات وآليات تكون أكثر فعالية في تعزيز ثقافة السلام على الصعيدين الإقليمي والدولي .
وقبل هذه المواثيق الدولية ، نجد في مبادئ الإسلام ما يفيد أنه يريد أن يعيش الإنسان في جو السلام والاطمئنان ، والاستمتاع بالحياة الإنسانية استمتاعا يرفعها فوق مستوى الاحتكاك والصراع والشك . يقول تعالى : ” يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ..” فالله تعالى خلق الناس متساوين من أصل واحد ، هو آدم وحواء ، وصيرهم بالتكاثر جموعا عظيمة ، وقبائل متعددة ، ليتم التعاون والتعارف وإن تباعدت ديارهم وأوطانهم ، وتباينت عاداتهم واختلفت لغاتهم وأجناسهم . فللناس مع بعضهم روابط وثيقة ، وصلات متينة ، ومعاملات لا غنى لهم عنها ، وليس بميسور لأي إنسان كائنا ما كان أن يعيش منعزلا ، لأن الطبيعة البشرية تحتم على الإنسان أن يندمج بالناس ويختلط بهم ، ويستعين بذوي الخبرة منهم ، وأن يسترشد بنصح الناصحين وتوجيه النابهين . ومن ثمة ، يشير القرآن الكريم إلى اتجاه تطور البشرية أسرا وقبائل وشعوبا في اتجاه التعارف ، أي المعرفة المتبادلة من جميع الأطراف.
وهو الشرط الأساسي لتحقيق التعاون الذي أوصى به القرآن الكريم في قوله تعالى : ” وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ” .
فالإسلام جاء ليقيم بين البشر جميعا رابطة الإنسانية القائمة على السلام والمحبة والوئام فهم جميعا عباد الله .
وقد تعلم الإنسان في هذه الحياة ، أنه لا يعيش وحده في هذه الحياة ، وإنما يعيش معه آخرون ، وأمم مختلفة المذاهب والعقائد . والإنسان المتحضر ، لا بد وأن يكون على اتصال بالأمم والشعوب . من هذا المنطلق ، دعا الإسلام إلى التعارف أي إلى التجمع والتساكن وتبادل المنافع والمصالح والتعايش في أخذ وعطاء ، وفي تأثر وتأثير دائمين ، بعيدا عن أية عصبية جنسية أو عنصرية إقليمية أو نعرة ثقافية .
وانطلاقا مما سبق ، نجد الإسلام يعترف بوجود الآخر ، لذا دعا إلى أهمية التعامل معه، ووضح القواعد التي تضمن حقه ، وهي قواعد تتميز بالسماحة واليسر وحفظ الحقوق ، وتجنب الظلم لمجرد الاختلاف في الدين .
فلا شك أن التشريع الإسلامي يضمن العيش الآمن لغير المسلمين ، على أن يكونوا أفرادا يعملون من أجل خدمة المجتمع وتنميته . لذلك ، فالمسلم مطالب بالسعي للحوار مع الناس بما يجمع الكلمة على المبادئ والقيم الربانية الخالدة . يقول تعالى : ” قل يا أهل الكتاب ، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله .. ”
ولعلنا ندرك أن هذه الآية الكريمة جاءت لتقرر مبادئ إسلامية في علاقات المسلم بغيره. وهي :
ـ مبدأ الاعتراف بالآخر ..
ـ مبدأ الحوار وأهميته ..
ـ مبدأ استشراف المستقبل في ظل علاقات إنسانية سامية ..
فالبشرية إذن ، مدعوة للتعارف والتعايش والعيش في ظل سلام دائم . ولعل الإيمان بتعزيز ثقافة السلام ، بيد الفرد ومن خلال علاقاته مع مجتمعه المحلي والجهوي والدولي بوصفه مواطنا عالميا .
إن من شأن ثقافة السلام ، أن تقوم على ركائز ثلاث ، هي :
ـ العدالة
ـ التنمية
ـ حماية حقوق الإنسان ..
ولعل من المناسب أن نشير إلى أن مدينة أسفي ، قد شكلت عبر تاريخها العريق ، أرضا للسلام والتعايش وتلاقح الحضارات والثقافات والديانات . فماضي هذه المدينة يشهد على فترة طويلة من السلام والتسامح الديني بين أهلها واليهود مثلا ، فق عاشوا بدون مركب نقص وسط شرائح المجتمع الأسفي العربي المسلم ، حيث عملوا معا على ازدهار تجارتهم ذلك أن اليهود في أسفي شغلوا مناصب مربحة ، فقد عملوا كممثلي الأبناك ، وخياطين وبائعي مجوهرات . فكان لهم وضع اعتباري لا يختلف عن باقي بنيات المجتمع الأسفي إذ ظلت هذه المدينة وفية لنموذجها الخاص في التعايش بين الأديان . فأسفي إذن ، كانت تشكل حالة استثنائية بكل المقاييس ومن الطريف أن نشير في هذا السياق إلى أن هذه المدينة ، تعد الوحيدة في المغرب التي يغيب فيها ما يسمى بالملاح ، وهو اللقب
الذي كان وما زال يطلق على الحي اليهودي بالمدن المغربية العتيقة . ومن ثمة ، تمكنت أسفي من ترسيخ ثقافة السلام وقيم التعايش والتسامح ، وإقامة علاقة متفردة بين مختلف الديانات والثقافات .
فأسفي منذ تاريخها القديم ، شكلت منطقة عبور وتبادل تجاري وثقافي بينها وبين غيرها من المدن المغربية ، فكانت ـ على حد ما أشرنا سابقا ـ أرضا للسلام والتعايش والتساكن ، وأرضا لاستقرار قبائل عربية وأمازيغية ويهودية . وبذلك ، تشكل أسفي ـ على حد ما أشرنا سابقا ـ نموذجا حيا وفريدا في مجال التعايش والسلام والتساكن والانسجام مع كل الروافد التي عرفتها هذه المدينة .
وهكذا ، يبدو أن أسفي قد شكلت فعلل عبر تاريخها نموذجا خاصا بعيش اليهود والمسلمين وهو نموذج أسس للطبائع الأولى للتعايش والتسامح وإشاعة المحبة والسلام ، نموذج ثري واستثنائي بهذا الخصوص ، يكفي أن تحتفظ أسفي لنفسها عبر تاريخها بنماذج حية من حالات عديدة ، تحفظها الذاكرة الأسفية ، كما لا زالت تحتفظ بروائح طعام ” السخينة ” المنبعث من بيوت نار أفرنة أزقة ودروب المدينة العتيقة .. كدرب الحبس ودرب الديوانة ودرب الصمعة والدريبة المزوقة وطبعا درب اليهود الذي سيأتي الحديث عنه لاحقا . لذلك نسجل وجود جو من التآلف والتوادد الذي كان يجمع اليهود بالمسلمين في أسفي .
ولعل أكبر شاهد على إرساء ثقافة السلام في مدينة أسفي ، أن الرصيد الثقافي والحضاري الذي تمتلكه هذه المدينة ، أمدها بأسباب التواصل مع غير المسلمين الذين يقيمون في المدينة والذين تعايشوا مع أهلها في ود وأمن وأمان ، وسلام ووئام . وكان ذلك على شتى المستويات . فعلى المستوى الإنساني ، يعد التسامح الحضاري لأهل أسفي ، القاعدة العامة التي بنوا عليها حياتهم وعلاقاتهم بغيرهم ، وهو تسامح ينطلق من الإيمان بوحدة الأصل الإنساني وبالقيم والمثل العليا التي يدين بها البشر في كل عصر من عصور التاريخ .. وهي قيم الخير والعدل والفضيلة والعفة والصدق والأمانة والاستقامة والشجاعة والمروءة والنجدة . وعلى مستوى تبادل المصالح والمنافع ، فإن أهل أسفي يعلمون جيدا أن العمل وجه من وجوه العبادة ، وأن السعي في الأرض تكليف رباني للإنسان ، وأن نفع العباد مقصد شريف من مقاصد شريعتنا الإسلامية ، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، وأن التعاون على البر والتقوى والخير والمصلحة العامة ، فريضة دينية ، وأن اكتساب القوة وتحقيق الرقي وصنع التقدم والتفوق في العلم ، والتعمق في المعرفة ، من مقتضيات الحياة الكريمة التي ينشدها الإنسان السوي في كل مكان وزمان . أما على المستوى الثقافي العام ، وعلى الصعيد الحضاري ، فإن أهل أسفي سعوا دائما إلى التقارب مع أتباع الديانات والثقافات والحضارات ، والتحاور معهم .. وسلوكهم هذا ، نابع من الإيمان بالرسالة التي يحملونها ، وهي رسالة القيم والمبادئ التي يؤمنون بها ، تترك أثرها واضحا في تعاملهم مع من يعيشون معهم ، لأن هذه القيم بانية للعلاقات الإنسانية السليمة ، ومؤسسة لمبادئ السلام والتعايش الحضاري الراقي .
وخير نموذج لهذا السلام والتسامح والتعايش ، أحد دروب المدينة العتيقة بأسفي ، هو ” درب اليهود ” الذي أشرنا إليه سابقا ، وهو من أشهر دروب المدينة العتيقة المسورة ، ينسب إلى الطائفة اليهودية التي كانت تسكنه وتعمره بكثافة كبيرة ، تمارس فيه عددا من أنشطتها ، حتى إن بعض الآسفيين اعتبره ملاحا صغيرا ليهود أسفي . وتبعا لذلك ، سمي بدرب أهل الذمة الفوقاني ، تميزا له عن درب الديوانة الذي عرف ب ، درب أهل الذمة التحتاني . ويلاحظ أن درب اليهود مفتوح على شارع السوق الكبير المؤدي إلى باب الشعبة ، وما تزال بهذا الدرب بقايا دكاكين ، تشهد عما كان ينتشر به من متاجر ومحترفات للخياطة والصياغة وصناعة الأفرشة وغيرها .. بحيث كان سكان اسفي والبوادي يرتادون أصحابها وحرفييها من اليهود ، للتبضع وطلب بعض الخدمات ، كما كان يوجد به فران عرف ب ” فران مسعود ” نسبة إلى مالكه ، وهو أيضا يهودي ، ثم حمام خاص باليهود ، ومحل لبيع الخمور كان في ملك يهودي يدعى :” جريني ” كما كانت توجد به أربع بيع للصلاة والعبادة من مجموع سبعة عشر بيعة ، كانت تنتشر بدروب متعددة من المدينة .
ومن العائلات اليهودية التي تسكن درب اليهود ، نذكر منها عائلات : ” يشوعا ” و” صديقيم ” و ” خنافو ” و ” ابن سبات” و””شمعوني و”حرار” و”كوهن” و”الصباغ” و”بوقشي” و”عزران” و”الربوح” و”أفرياط” و”كبايو” و”ويسمان” و”أوكنين ” ..
في المجال الفني وخاصة الموسيقى منه ، نجد أن أسفي كانت من بين أهم المراكز التي استقبلت مهاجري غرناطة إثر سقوطها في نهاية القرن التاسع للهجرة .. ثم بعد الطرد النهائي من الأندلس في مطلع القرن السابع عشر للميلاد . فقد عرف المغرب دخول موجات هجرة يهودية مكثفة استقرت بشكل أساسي في المدن الساحلية ، وضمنها مدينة أسفي ، حيث استقرت بها عائلات يهودية ومسلمة حاملة معها الإرث الأندلسي في الطبخ والملبس والأدب والموسيقى والعلوم . وقد حافظت الأسر الأندلسية المهاجرة على كثير من تقاليدها ومعارفها الفنية . وقد ساعد هذا التواصل على التمكين لأصول طرب الآلة بمدينة أسفي ، وأتاح لفنانيها مواكبة وجوه التطور الذي عرفته مستعملات هذا الطرب في مجالات الإنشاد والعزف .
واللافت للنظر ، أن المطرب اليهودي عازف الكمان ” كوهن أسعدية ” كان أحد رواد النادي الموسيقي ذ. عبد الرحمن بلهواري الذي كان يستقطب مجموعة من العازفين والحفاظ ، وضمنهم كوهن الذي أسس فيما بعد جوقا محليا ، سائر عناصره من يهود المدينة .. وأصبح هذا الجوق قبلة الأسر الأسفية سواء منهم الأسر اليهودية المقيمة بأسفي ، أو الأسر المسلمة من سكان هذه المدينة ، حتى عد أحسن أجواق طرب الآلة على ذلك العهد . لا ننسى أيضا المكانة التي حظي بها فن ” الشكوري ” عند أهل أسفي ، فهو تعبير بليغ عن التعايش بين الديانات ليس في أسفي فقط ، بل في مدن المغرب الأخرى .وهو فن لا تبتعد كلماته عن فن الملحون المغربي الأصيل .. فكلاهما قصائد زجلية موزونة ، وكلاهما يهتم بالمواضيع نفسها ويستخدم الإيقاعات المغربية .
إضافة إلى ما سبق ، لا ننسى التعايش الديني بالمدينة . فمسجدها الأعظم يأتي في موقع يحاذي الكنيسة البرتغالية ، كما يجاور عددا من بيع اليهود . وفي ذلك ، تعبير صريح وواضح عن شيمة مترسخة ومتوارثة في أهل أسفي جيلا عن جيل ، وهي روح السلام والتسامح والتساكن والتعايش . فأين نحن اليوم من مثل هذه القيم النبيلة ، وأين نحن كذلك من مسألة تعزيز ثقافة السلام والتسامح والحوار ؟
لا بد إذن من تنفيذ العديد من البرامج الأمنية والتوعوية لمكافحة التطرف والعنف وتحصين جيل المستقبل من كل الآفات ، ومد جسور الحوار والتواصل بين أتباع الديانات والثقافات من خلال برامج عديدة ، على المستوى المحلي والوطني والدولي .. مما يكون له الأثر الإيجابي على أمن واستقرار السلام في بلادنا وفي العالم أجمع ، إضافة إلى تكريس العمل من أجل السلام وتحقيقه ، ومن أجل رفاهية الشعوب وتحقيق الأمن والاستقرار والدفع بعجلة التنمية المستدامة ، وحث الشعوب على إرساء قيم التسامح والتعاون ونبذ جميع أشكال الكراهية والتفرقة بين الشعوب والثقافات . فالحضارة الإنسانية واحدة ، تتقدم في مراحل متعددة على حد قول هيكل وقبله اوكست كونط
إننا اليوم مطالبون بنشر ثقافة السلام ، لما لذلك من فوائد عديدة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع . وهذا يقتضي منا توحيد الصفوف لمواجهة العنف والتطرف والعمل على إشاعة القيم النبيلة ، كما يجب تفعيل دور وسائل الإعلام المختلفة ، والوسائل التقنية الحديثة وشبكة الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ، إضافة كذلك إلى الدعوة إلى التقارب بين الناس وزيادة التلاحم الاجتماعي ، فكلما تقارب الناس من بعضهم أكثر ، امتلكوا القدرة على مواجهة العنف ، وتعاظمت محبتهم لبعضهم البعض .. وهذا كله سيؤدي في نهاية المطاف إلى إحلال ثقافة السلام ، كما أن لنشر العلم والثقافة دورا كبيرا في نشر ثقافة السلام ، مما سيكون له الأثر الإيجابي للجنوح نحو السلام واللاعنف ، والانفتاح على الآخر .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*