الرئيسية / ثقافة و فن / أســـفـــي حـاضـرة الــمــحــيــط “.

أســـفـــي حـاضـرة الــمــحــيــط “.

 

بـقـلـم : إدريس بوطور.

لقد تم بناء السور الموحدي حول مدينة أسفي في جو من النفحات الروحية الربانية المفعمة بترديد الأذكار والصلاة على خير البرية مع القيام بالأعمال الخيرية واطعام المحتاجين والمعوزين

كانت الأيام والشهور التي مرت في بناء هذا السور عبارة عن حفلات وأعياد إنسانية إحسانية للتضامن والتآزر من أجل رسالة سامية ، عاشت أسفي في إطار هذا السور بعد بنائه حياة الاستقرار الاقتصادي والفكري والعلمي لمدة ثلاثة قرون ونيف وخاصة في العهد المريني إلى أن اختلت الأوضاع السياسية في نهاية دولة بني مرين ثم بني وطاس ، فكانت فرصة للتغلغل الاستعماري البرتغالي واحتلالهم للثغور المغربية وكانت أسفي من ضمنها ** جاء البرتغال ليهدموا ما ظهر من السور الموحدي على الأرض ويحافظوا على أسسه ليجعلوها قاعدة لبناء سورهم المكون من الحجارة الكبيرة المنحوتة المربعة والمستطيلة ، وهناك بعض الأجزاء من السور الموحدي وابوابه التي تم تغليفها بالحجارة المنحوتة للإبقاء على شكلها الهندسي البديع والذي يتطلب منهم وقتا أطول لبنائه لو هدموا اصله الموحدي .

كان البرتغال يهاجمون المدينة وضواحيها في إطار حملات لأسر الشباب والكهول قصد الدفع بهم للعمل قسرا في الأشغال الشاقة لبناء السور البرتغالي طيلة عشرين سنة تم خلالها إتمام إنجازه بابراجه وثكناته ، وفي المقابل خربوا كل ما له علاقة بالمعمار الاسلامي ، وغداة لحظة خروجهم من أسفي تحت ضغط الهجوم السعدي خربوا واحرقوا كل شيء بما في ذلك بعض ما بنوه من مرافق حتى لا يبقى ما تستفيد منه البلاد والعباد ، ولو لم يرغموا على الخروج من طرف السعديين واتيحت لهم الفرصة الزمنية قليلا لهدموا اسوارهم وابراجهم ومعابدهم وتركوا المدينة خرابا ويبابا ،لكن لماذا لم يفعل المسلمون في الأندلس نفس السلوك عندما تم اخراجهم من فردوسهم المفقود ؟ لقد تركوا كل شيء سليما ولم يكسروا ولو كأس بلور رغم أنهم عاشوا سنوات تحت الضربات المسيحية وتيقنوا من وشوك زوالهم** خرج المسلمون من غرناطة تاركين الجمل بما حمل ، تاركين جنة العريف وقصر الحمراء بفسيفسائه وحجراته وحماماته وبساتينه الغناء ، ونفس المعاملة والسلوك صاحبهم لدى خروجهم من قرطبة واشبيلية ولشبونة لم يخربوا ولم يحرقوا، وأصبحت اليوم مداخيل اسبانيا والبرتغال السياحية مرتفعة وغنية بفضل ما تركه المسلمون من تحف معمارية وثقافية وحضارية ، لماذا لم يمارس المسلمون بالأندلس نفس التخريب الذي عرفته المستعمرات البرتغالية بالمغرب ؟ الإجابة واحدة ووحيدة انطلاقا من تعليمات ابي بكر الصديق لجنود الجيش الإسلامي المقبل على الفتوحات ، وهي تعليمات مستمدة من هدي الكتاب والسنة ( اذا غلبتم على قوم عدو لكم لا تقتلوا صبيا ولا امرأة ولا شيخا هرما ولا مريضا ولا راهبا ولا تقطعوا مثمرا ولا تحرقوا نخلا ولا تذبحوا بعيرا أو بقرة إلا لمأكل ولا تغدروا ولا تمثلوا بالجثت ، وكونوا من الذين قال فيهم الله عز وجل ” ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا “….)

وانا أختم هذه التدوينة اقول إن الدين الذي يوصي بهذه التعاليم في حالة الحرب هو دين الطمأنينة وبناء الحضارة في حالة السلم ، وهو دين استمرار الحياة الكريمة بالخير والإحسان حيث لا مجال للحقد أو الكراهية أو الضغينة /

مراكش يوم 5 أكتوبر 2019.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*