الرئيسية / تربية و تعليم / عليك أن تعلم أيها المدرس أن وظيفتك رسالية وليست فقط دنيوية

عليك أن تعلم أيها المدرس أن وظيفتك رسالية وليست فقط دنيوية

عبدالجليل أميم*

نقف الآن مع بسط نموذج ديداكتيكي واحد وهو لابن جماعة، ويعتبر كتاب “تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم” كتابا بيداغوجيا ديداكتيكيا غاية في الدقة والتفصيل إذا ما نظرنا إلى محتواه العلمي بغض النظر عن صياغته اللغوية التي تنتمي إلى عصرها ومجال تداولها.

وفي الفصل الثالث من الباب الثاني من تذكرة السامع” لابن جماعة، و الذي عنونه ب “آداب العالم مع طلبته مطلقا وفي حلقته “، وضع ابن جماعه أربع عشر نقطة غاية في الأهمية والدقة لأنها نابعة من أساس تجريبي لأنه ليس رجل تنظير فقط، بل رجل حلقة علم، ورجلا اشتغل في المدارس، وله مدارسه الخاصة ، ونابعة أيضا من خلفيته الثقافية والتاريخية التي نشاركه فيها. وهذا لا يخالف ما يروج في الأدبيات الغربية المعاصرة، ولا حتى فيما مضى، ولا يختلف مع النظريات الموجودة ولا مع غيرها، غير أن هناك خصوصيات ترتبط بالسياق التاريخي وبالحقل التداولي لمنتوج ابن جماعة رحمه الله.

•الأصول والمبادئ الديداكتيكية عند بن جماعة

نشير بداية إلى قضية منهجية مركزية، وهي أن النصوص التي نذيل بها المبادئ التي استنبطناها ليست إلا نماذج مختارة، وإلا فإن كتاب “تذكرة السامع” لابن جماعة ترد فيه هذه القواعد بطرق مختلفة وفي فصوله المتعددة .

أول ما نبدأ به دروسنا هو ضبط قناعاتنا ونفوسنا، ونعنون هذا المبدأ بصياغة دقيقة معاصرة، ونسميه:

المبدأ الأول: تحديد الرؤية وضبط القناعات

تحديد الرؤية والهدف العام والارتباط بقناعات علوية:

نسمي هذا الشرط بالشرط السيكولوجي لأن مداره حول التهييء النفسي للحصة واعتبارها عبادة؛ لكن ماذا يعني أن نعتبر حصتنا عبادة؟

إن نجاح العملية التربوية عند “ابن جماعة” مرتبط أيما ارتباط بنوع العلاقة التي ننسجها نحن كمدرسين مع طلبتن وتلامذتنا، ومع المعرفة، ومع مهنتنا على العموم. ويبدأ ابن جماعة في تحديد هذ العلاقة بشخص المدرس أولا ، ويرى أنه لا يمكن للمدرس أن يأتي فعلا تربويا إيجابيا إلا إذا اشتغل على قناعاته ومعتقداته التي تدفعه إلى العمل، لذلك يرى أن أول شيء على المدرس أن يفعله هو: أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله.

قد يبدو هذا الخطاب دينيا، وهو كذلك، باعتبار سياقه وزمانه ومنتجه وحقله التداولي، لكن إذا ما نزعنا عنه الحلة الدينية التي يتلبس بها، وعمقنا النظر في مكنونه البيداغوجي/الديداكتيكي، فإننا سنكتشف أن هذا المبدأ يخفي تحته حقيقة علمية مهمة مفادها:

أن الإنسان يحتاج سيكولوجيا إلى معرفة مقصد أعماله، ليكون لها معنى في حياته، وإلا فلن يتقنها سواء كان صغيرا أو كبيرا، بل قد يتعامل معها تعاملا ميكانيكيا لأنه مضطر إليها، وعليه، لن يبدع فيها أبدا. والتعليم المعاصر يركز في أحدث نظرياته على ضرورة ربط العلوم والأفعال بالمعنى الذي يجعلها تستقر في أذهان المتعلمين، وتعتبر خاصية المعنى مبدءا جوهريا عند الجشطالتيين، وفي التربية المعاصرة يعتبر مبدأ المعنى محوريا عند مارزانو على سبيل المثال. إن غاية بن جماعة هي أن يكون فعل التدريس له أو ذا معنى عميق في نفسية المعلم والمتعلم، بل إن هذا المعنى نفسه عليه أن يتعالى عن الدلالات المادية إلى المعاني الميتافزيقية، أي أن يكون معنى متعاليا لكي ينتج فعلا عاليا علو المعنى المرتبط به في نفسية المعلم والمتعلم. وأي معنى أعلى من أن يكون فعل تعليمك وتعلمك موصولا بعالم الميتافزيقا، وفي ثقافتنا العربية الأمازيغية الإسلامية موصولا بالعلي علوا لا علو بعده؟

إن هذا هو المنطق العربي الإسلامي الذي وظفه ابن جماعة، ولقد أراد من وراء التركيز على هذا المعنى أن يوصل المدرس إلى الاعتقاد بقدسية أدائه، ورفعة وظيفته مضمونا وأداء، بل أن يوصله إلى قناعة مفادها أن فعل التعليم يأتيه المعلم في رحاب الله، وهذا أمر سيكولوجي غاية في الأهمية بالنسبة إلى الفاعل التربوي المسلم، ذلك أن القناعات التي نحتاجها والمعتقدات التي توجهنا توفر لنا الشرعية النفسية من جهة، والدافعية الذاتية من جهة ثانية، وتعلو بنا في مدارج السمو أداء واعتقادا، مما يدفعنا إلى الاجتهاد لكي نُنْجح كل ما يرتبط بها، وننضبط بضوابطها.

ثم ينتقل بن جماعة في مجال القناعات إلى لطيفة جوهرية تتجاوز الارتباط بالمعنى ذي البعد السيكولوجي إلى المعنى ذي البعد الاجتماعي أو المعرفي: وهو أن تدرك أن عملك تستهدف من خلاله نشر العلم، وإفادة المجتمع.

ويزيد ابن جماعة في عملية الربط والضبط بربط المعلم بالقناعات الدافعة لإتيان درسه على أفضل وجه بتمريره لفكرة أخرى جد عميقة مفادها:

أن الحق ملازم للعلم، والظلم ملازم للجهل، وهذان هدفان إنسانيان، ومن ثم، عليك أن تدرك أن تعليمك لغيرك يعني ضمنيا محاربتك للباطل والظلم في الواقع، والأعمق من ذلك، أن تدرك أن درسك يكثر من العلماء، ودوام خير الأمم وتقدمها متعلق وجوبا بكثرة العلم والعلماء فيها، والعكس صحيح. أي أن خراب الأمم متعلق بتفشي الجهل وكثرة الجهال فيها. وتبعا لذلك سينتشر الظلم والباطل بين أهلها. لذلك فأنت باعتبارك مدرسا مقاوم للباطل وناصر للحق قاصدا ذلك أم غير قاصد، وعليه، فالأولى أن تكون قاصدا ذلك اختيارا.

وجماع الأمر أن عليك أن تعلم أيها المدرس أن وظيفتك رسالية وليست فقط دنيوية تتقاضى عليها أجرا. فتسلح عند وقبل ولوج درسك و أثناءه ، بهذه القناعات والمعتقدات لتمكنك من إتيان فعل تعليمي عال وجميل ومفيد، وليكن  دأبك وديدنك في كل درس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*