الرئيسية / ثقافة و فن / المفكر عبد الله العروي : يسائل قضايا جوهرية في محاضرة بالرباط

المفكر عبد الله العروي : يسائل قضايا جوهرية في محاضرة بالرباط

متابعة  :مصطفى  غلمان

انتظر العشرات من طلبة جامعة محمد الخامس وأساتذتها ومهتمون وإعلاميون لحظة التصافي مع المؤرخ والمفكر المغربي عبدالله العروي مساء الأربعاء٨ يناير ٢٠٢٠ لينصتوا بإمعان إلى المحاضرة الافتتاحية التي قدمها، بمناسبة افتتاح كرسي عبد الله العروي من قبل معهد العالم العربي بباريس. وكان ما تواعده الطرفان، الإبداع في القضية والجوهر، برؤية حصيفة واتقاد نظر ووجاهة عقل.

لم يخف العروي وهو يوطئ مقدمة انبثاق المسار وتشعب الفكرة اقتناعه الأبدي بالسلوك العلمي المتنور والهادف، فهو يوطن تلك القناعات بالتدقيق في حساباته المرجعية والفكرية، كونه موظفا للدولة والمجتمع، وحدود ذلك وتقاطعه مع مهمته الرسالية كمفكر وإنتلجسني. مقتربا من الدرس التاريخي الذي يؤطر المسار ويعبر إلى الفعل والممارسة، محتويا وشاح ترسيخ نظام تواصلي يجسد أهم لحظات التفكير، إذ أن الكرسي الذي تم إطلاقه باسمه هو بالأساس فرصة للتباحث والتدارس، ومناقشة مفاهيم وإشكالات ارتبطت باسمه بحسب قوله.

يقدم عبدالله العروي من خلال هذا الأنموذج التاريخاني، من خلال محاضرة فكرية ثقيلة وحاذقة، جملة من الإواليات، الموسومة بالحركية الزائدة والتصادم اللامتناهي، يتساءل العروي إن كانت الإشكاليات التي تطرق لها لازالت قائمة، أم متجاوزة؟” معللا نظريته بالنسبية المواضعاتيةـ التي تذهب إلى أقصى التحليل، فهي إذا كانت قائمة فيجب إعادة تعريف هذه المفاهيم وتجديد أساليب تناولها”، ومن هنا تبرز بحسبه أهمية الترجمة، أما إذا كانت متجاوزة، فبأي معنى يكون هذا التجاوز؟ وهل وجدت طريقها إلى الحل أم فقدت راهنيتها؟، يضيف العروي.

وقال المفكر العروي وهو يفكك ذبول الدولة الوطنية وانكسارها :” قد يقال إني أطلت الكلام عن الدولة الوطنية أوالقومية، وعن التاريخانية، لكن في المجتمع الحالي ما الذي تعنيه الدولة الوطنية ونحن نراها تتفكك وتسلب منها كل سيادة؟

مجيبا “الانتماء اليوم هو للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة، ويبدو أن المستقبل هو لسلطة القبيلة أو للفدرالية الهشة”. وفي انشطار الفكر بين النظريات التاريخانية وصراع الفكر الاجتماعي قال العروي: “يقال إنني أثنيت كثيرا على ابن خلدون، ومرد هذا أنه أولى أهمية كبرى للتدوين أي نقل الثقافة الشفوية إلى أخرى مكتوبة، لكن مشكلتنا أننا توقفنا عند هذا الحد ولم نتابع ما حصل في أوروبا بعد اختراع الطباعة، بل انني ذهبت إلى أبعد من هذا عندما قلت إن الأسيويين مهيؤون أكثر للثورة لأنهم اخترعوا آلة للنسخ قبل حتى أن يكتشف الأوروبيون الطباعة”.

بيد أن أم الأزمات اشتعالا وتغلغلا في الثقافة المعولمة الجديدة، هي سيادة الثقافة الشفوية وأزمات الكتاب والكتابة، والانتظارات الكبرى التي يعيشها الزمن الراهن، حيث ” لا نتوفر لحد الساعة على حاسة نميز فيها بين المعقول والموهوم، بل أصحبنا اليوم نتعلق بالوهم أكثر من الواقعية”، متماهيا في الحدود السويبولوجية لهذه الأزمة الخانقة التي أضحت فيها ” الأمية الرقمية أسوأ من الأمية الحرفية لكن يجب أن نتساءل عن العلاقة بين الأميتين، وهل محو الأولى يعني محو الثانية؟ أو العكس محو الثانية هو شرط أساسي لمحو الأولى، مؤكدا أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالعملية السهلة “، متسائلا ” “كيف لمجتمع غير حداثي أن يتصور واقعا افتراضيا، فصحيح أنه اخترع سابقا قصص السحر والمغامرات لكنه تحت ظل الحداثة لم يؤسس لقصص الخيال العلمي”.

ولم يتجاوز العروي مسألتين صميمتين وفي غاية الأهمية، كان الكثير من الباحثين ينتظرون الحديث عنهما، مسألة الترجمة وراهنيتها الفكرية والعلمية وقضية النقاش اللغوي الذي أحدث انقساما وعدم رؤية خلال السنوات القليلة الماضية.

أما فيما يخص الترجمة فقد رمى العروي بحجارة مفارقة لما سماه “الخطأ الكبير الذي يمارسه العرب في الماضي والحاضر هو أنهم يظنون أن النقل والترجمة يتم لمرة واحدة، بينما الترجمة هي عملية مستمرة فلا يمر عقد في الغرب دون أن تصدر ترجمة جديدة لكتابات لأرسطو، بل تظهر فلسفات جديدة بعد ترجمة وظهور ألفاظ جديدة، بينما عندنا “نتبادل الألفاظ كتبادلنا للبضائع”، مشككا في “أنه إذا بقينا على هذا المنوال من غير المستبعد بعد مرور قرن أو قرنين أن نجد أنفسنا في الوضع نفسه؟!”..

بيد أنه في قضية التشابك اللغوي والنقاش العقيم الذي احتدم مؤخرا بين أنصار العربية والفرانكفونيين، فقد أبرز المفكر العروي اختلافات وفروقات بين المكتوب والمنطوق الحر المتشعب، ولكل واحد مقامه، “وهذا ما يعرفه جيدا المتحدثون بالإنجليزية ويقبلون به ويتعامى عليه غيرهم” يؤكد المحاضر.

مضيفا أنه كان أول الداعين إلى إصلاح شامل في المجال التربوي وعلى رأسه الإصلاح اللغوي، مؤكدا في نفس الوقت أن النقاش اللغوي في المغرب حاد عن مساره السوي.

داعيا إلى اعتمال التفكير الجدي والعميق دون تأويل وترجمة، وإحداث كرسي خاص بالترجمة والتأويل، يواكب المستجدات العصرية وينظر للمستقبل بعين التوجس والحكمة والاكتمال الفكري.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*