الرئيسية / تربية و تعليم / دوركايم و التمثلات الجمعية: مقاربة نفسية اجتماعية تربوية

Notice: Undefined index: tie_sidebar_pos in /home/safizoom/domains/safizoom.com/public_html/wp-content/themes/jarida/includes/post-head.php on line 5

دوركايم و التمثلات الجمعية: مقاربة نفسية اجتماعية تربوية

في موضوع الاتجاه السوسيولوجي و نظرية التمثلات، يعود الفضل إلى “سيرج موسكو فيشي” ، الذي يعتبر أول من بحث في التراكمات الدوركايمية مستخرجا مفهوم التمثلات بشكل عام، سواء تعلق الأمر بالتمثلات الجماعية أو التمثلات الفردانيــة و الاجتماعية، و هو بهذا البحث فتح لنا الطريق أمام اختصاصات متداخلة و متشعبة، خصوصا بعد تطور علم النفس الاجتماعـــي و علم النفس المعرفي و حقول علمية أخرى ممن اشتعلت على موضوع التمثلات بصيغة الجمع او التمثل بصيغة المفرد.
و هذا ما دفع “سيرج موسكو فيشي ” إلى القول في إحدى التقارير التي قدمها: “بأن عصرنا هذا، هو عصر التمثلات الاجتماعية بدون منازع ، لأنها تسمح لنا – كموضوع للبحث – بالانتقال من الوصف المباشر للمواضيع المدركة ، إلى مرحلة التفسير لدلالاتها الاجتماعية و الثقافية و القيمية و المعرفيـة، و تنقلنا كذلك من اللفظي ذي الصبغة التعبيرية الصرف ككلام أو كخطاب، إلى ما هو ملموس و قابل للمعاينة، قد يعكس الحقيقة الواقعية داخل الأوساط الاجتماعية و الثقافيـة، أو الحقيقة الوهمية المتمثلة في البنية المعرفية – للفرد- كآراء و منمطات.
الشيء الذي سيعطي للتحليل و التأويل السيكوسوسيولوجي إمكانية الفــهم و التحكم في مختلف المكونات المشكلة لموضوع التمثلات، و إمكانية استيعاب التفاعلات القائمة بين ما يسميـه” أبريك” بالوظيفة الفردانية وبين الشروط الاجتماعية التي من منطلقها يتطور الفاعلون الاجتماعيون بمختلف مشاربهم الفكريـــة و الأيديولوجية …
إن التحديد الدوركايمي للتمثلات عموما، انطلاقا من المنظور السوسيولوجي المحض، ظل موجها فيما أسماه دوركايم بالتمثلات الجمعية،[les représentations collectives ]، معتبرا إياها، مجموعة من التراكمات القيمية و المعيارية المنتجة من طرف المجتمع، و الخارجة عن الشعور الذاتي للأفراد الاجتماعيين ، كما انها غير قابلة للخضوع لذواتهـم الفردانية بحكم طابعها الجمعي المؤثث لفضائها الاجتماعي الذي ينصهر فيه الأفراد إكراها و بصفة قهرية إن صح القول.
و هذا ما يؤكده “دوركايم” بشكل صريح بقوله:
“إذا كان بإمكاننا القول – لاعتبارات معينة –بأن التمثلات الجمعية خارجة عن وعي الأفراد {أي مستقلة عنهم} فذلك لان تلك التمثلات غير منبثقة من وعي أفراد منعزلين عن بعضهم البعض، و إنما هي صادرة عن العلاقات القائمة بينهم، و هو أمر جد مختلف. و لا شك أن كل واحد يساهم في بلورة تلك التمثلات المشتركة. إلا أن المشاعر الخاصة – بالأفراد -لا تصبح اجتماعية إلا عندما تنتظم بفعل قوى فريدة من نوعها، أي قوى يطورها تجمع الأفراد فيما بينهم. و تبعا لتلك التفاعلات المتبادلة و التركيب الذي تنتج عنه تصبح تلك المــشاعر و التمثلات الخاصة شيئا آخر .
هذا يفسر بأن مشاعر الأفراد الذاتية لا حقيقة لها إلا من جرَّاء التأثيرات الممارسة بواسطة الفعل الاجتماعي الذي يوجهها و يبلور أبعادها و مقاصدها بناء على الأصل اجتمـاعي . و يفهم من هذا التصور كون التمثلات الجمعية هي نتاج التزاوج الحاصل في التمثلات الفردية، و لكنها تبقى خارجة عن إرادة الأفراد الذاتية، و إجباريتها متعمدة ؛ ذلك لأن ذوات الأفراد لا تتحدد إلا من خلال الأنساق المجتمعية، التي تلعب دورا استراتيجيا في صقلها، و إعطائها التطبيع الاجتماعي المتعارف عليه .
كما أن أنماطا من السلوكات، و ضروبا من التفكير و الشعور تتميز بأنها خارجة عن الفــــرد و تتمتع بقوة و قهر اجتماعي فوقي، بل يعتبرها ” دوركايم ” كظواهر اجتماعية . وللدفاع عن و جهة نظره هاته يضرب “دوركايم ” مثالا في الموضوع: تتألف الخلية الحية من عناصر كيمائيــة، و تكون خارجة عـنـها؛ و هذا هو ما يتجسد –حسب “دوركايم” – تماما في كل مجتمع، حيث نجد ظواهر اجتماعية لها خصائص متميزة عن خصائص الأفراد… و لكنها خارجة عنهم؛ و هذا بدوره هو الذي يجعل تلك الظواهر مختلفة نوعيا عن الظواهر السيكولوجية التي تبقى محدودة في نطاق ذاتية الفرد و بشكل منعزل عن السياقات الاجتماعية. بمعنى آخر آن المنظومة المجتمعية بتركيبتها المختلفــة أو المتجانسة على المستوى السياسي و العقائدي و القيمي و السوسيوثقافي هي التي تمنح للتمثلات الجمعية حقيقتها الواقعية في التغيير و في الاندماج الثقافي داخل الأوساط المجتمعية المعدة لهذا الغرض.
نخلص إذن من خلال هذه التحديدات العامة المعطاة للتمثلات الجمعية من طـــــرف ” دوركايم”، كون استدلال الأفراد وبرهانهم على الوقائع و الأحداث الواقعية، تعتبر عاملا من ضمن العوامل المتحكمة في التمثلات الاجتماعية؛ وترتكز هذه البراهين –حسب “دوركايم “-على حالة تطور المجتمع، و تنظيمه السياسي و العقائدي، و على مؤسساتـه و بنياته المتحكمة في كيانه؛ يعني هذا انه كلما كان هناك نضج سياسي و سوسيوثقافي داخل المجتمع، كل ما كانت هذه التمثلات الاجتماعية انعكاسا مباشرا لذلك النضج على جميع المستويات.
و هكذا يعتبر المجتمع من وجهة نظر “دوركايم ” المؤتمن الوحيد للمعرفة الموضوعية، أي أن التمثلات الجمعية تشكل الخطاب الذي من مهامه تمرير المعرفة نحو أفراد المجتمع، كيفما كانت طبيعة هذا الخطاب، سواء أكان قهريـا أو تراتبيـا؛ و هذا ما يبرر ظاهرة الحتمية المجتمعية التي يقر بها “دوركايم”، في تفسيره للمجتمع ككل و لأعضائه المنتمين إليه، باعتباره إطارا مرجعيا يعود له الأفــراد الاجتماعيون لبناء الحقيقة و فهم ما يجري في أوساطهم الاجتماعية، ويهدف حسـب و جهة نظر “دوركايم ” إلى تشكيل ما يسميه بالضمير الجمعي، كشكل من الإستشراك في التصـورات و الأنساق الاجتماعية الأساسية و القيم السائدة {الدين –القانون – الأخلاق ….} المستقلة عن التصورات الفرديـة ؛ وبذلك ينتقل الضمير الجمعي من المستوى السيكولوجي للجماعة إلى عالم الأفكار المتداولة بين الجموع، عبر تمثلاتهم لهذه الأنساق الاجتماعية الممارسة في الواقع الاجتماعي، و يعتبر الضمير الجمعي في هذا السياق الفاعل الجمعي الوحيد في شكلنة و بنينة التمثلات الجمعية كما هي ممارسة اجتماعيا من طرف المجتمع كناظم لها.
إن مثل هذه التفسيرات السوسيولوجية الدوركايمية للتمثلات، في بعدها الجمعي قد تفضي بنا إلى نوع من “الارتودكسية ” ذات البعد الحتمي الاجتماعـي، كمعيار نهائي في عملية التأثير على تمثلات الأفراد، دون الأخذ بعين الاعتبار ردود أفعال الأفراد، و مواقفهم الإيجابية أو السلبية من تلك التأثيرات المفتعلة أو المثارة داخل الأوساط الاجتماعية التي ينتمون إليها، و نفس الشيء يمكننا ملاحظته على الطروحات السلوكية المشهورة بنظرتها الاختزالية الرمزيـــة { مثير استجابة} و لكن من منظور سلوكي، حيث تنطلق هي الأخرى من حتمية تعلمية، خصوصا عندما تلغي ذاتية الفرد أثناء تعديل السلوك، و تنفـــي دوره و مسؤولياته الذاتية في اكتساب السلوك المستهدف في عملية التعلمات، لاعتبارات مذهبية تعكس خلفية نظرية تعلمية محسومة بشكل مسبق من طرف الفاعل التعليمي، مع التقليص من حدة ردود فعل المتعلم باعتباره كائنا منفعـــلا و مستجيبا للمثيرات المفتعلة كيفما كانت درجتها الاستيعابية.
و مثل هذا الطرح يحيلنا كذلك على بعض الأفكار التي تبنتها البيداغوجية الجمعيـة و المؤسساتية انطلاقا من تصوراتها لدور المؤسسة المدرسية في تغيير سلوكات المتعلمين، و مطابقتهم مع المعيار المحدد لهم بشكل مسبق من طرف الفاعل التعليمي، مع إقصاء فعالية الفــرد في هذه العملية.
لكن يبدو لنا من وجهة نظر سيكوسوسيولوجية تربوية، والتي تتماشى مع ما تمت الإشارة إليه من طرف كل من “شارلو و فيجا “، أن أفراد المجتمع، ليسوا “بكائنات” متحركة اجتماعيا، وفيـة و مجسدة فقط للبورجوازية والبروليتارية، و إنما تتحدد سلوكاتهم و معارفهم بواسطة انتمائهم الطبقـــي، ومن خلال وضعيتهم الاجتماعية داخل الطبقة ذاتها كذلك ، في أحوالها و مواقعها المحددة تاريخيا و اجتماعيا. كما أن الأفراد ليسوا بمحسومين بشكل نهائـي، وإنما مرتبطون بتاريخهم داخل الوسط الاجتماعي الذي ينتمون إليـه، و يجسدون عبره الأدوار و التصرفات المطالب منهم لعبـها داخل مختلف الأوساط السوسيواقتصادية التي ينتمون إليها.
و بناء على ما سبق عرضه في هذا الموضوع، نرى بأن تمثلات الأفراد للمواضيع و الأحـــداث و الرمـوز و الظواهر الخارجية لا تعني من منظورنا النفسي الاجتماعي التربوي ، معاودة إنتاجها بطريقة ميكانيكية، أو تكرارها في سلوكاتهم و تصرفاتهم بشكل إرادي قهري، و إنما إعادة بنائها و تجديدها إن أمكن، و قد يقتضي الأمر في حالات عديدة إلى رفض آلياتها و ميكانيزماتها و الانزياح عن مقاصدها الايديولوجية، إن كانت لا تستجيب لخياراتهم الذاتية و مواقعهم الطبقية، و أيضا لقناعتهم الفكرية والأيديولوجية، و قد يترجم هذا الرفض – حسب منظورنا – إلى تكوين تمثلات احتجاجية حول وضع لم يعد مقبولا، مادام لا يستجيب لأهدافهم و انتماءاتهم الاجتماعيـة و الثقافية، و هو ما يمكن معاينته في مواقف متعددة لدى الناشئة سواء داخل الأســرة أو المدرسة أو داخل إطارات تنظيمية.
إن التمثلات الاجتماعية لا تقتصر على عملية الوصف المحايد للأشياء والأحداث و الوقائع الخارجية، و إنما يعتبر البعد الذاتي و البين ذاتي في هذه العملية ذا اهمية كبرى، إن لم نقل حقيقة قائمة الذات في البناء النفسي الاجتماعي التربوي للأفراد، اعتبارا للعوامل الاقتصادية و السوسيوثقافية والتاريخية المتحكمة في شخصياتهم و في تمثلاتهم، واعتبارا كذلك للمواقــف والاتجاهات المكونة لديهم كادراكات تجاه العالم الخارجي بكل تناقضاته و مفارقاته المعرفية و المذهبية؛
وهي نفس الفكرة التي عبر عنها “موسكوفيشي ” بقوله :” لا وجود لقطيعة بين العالم الخارجي – كفضاء و أحداث – وعالم الأفراد
(أو الجماعات ) ، أثناء تمثلهم للموضوع المدرك، ذلك لأن الصـور و الآراء –المعبر عنها– محددة بشكل طبيعي و مدروسة و مفكر فيها، و هذا راجع من كونها تترجم من جهة الوضعية التي يوجد فيها الفرد، و من جهة أخرى سلم القيم الخاص بالفـرد أو الجماعــة ، و المؤطرة من طرف المؤسسات الاجتماعية بمختلف اختصاصاتها.
و إذا كانت التمثلات تعتبر كشكل من أشكال المعرفة، فإنها تعد كذلك نظاما من التفســـيرات و التأويلات للمواضيع و الأحداث الواقعية المتواجدة في الأوساط السوسيوثقافية التي ينتمي إليها الفاعلون الاجتماعيون. و بتعبير آخر نرى- من منظورنا النفسي الاجتماعي التربوي- بأن التجارب الممارسة من طرف الأفراد و المواضيع التي يواجهونها في حياتهم اليومية تدرك من طرفهم وتدمج داخل الشبكة المعرفية الموجودة أو المكتسبة بشكل مسبق لديهم، ويفضي هذا الإدماج إلى إعطاء تفسيرات حول هذه المواضيع المدركة المسماة تحديدا بالتمثلات الاجتماعية كما برهن على ذلك “سيرج موسكو فيشي” في بحثه حـول “التحليل النفسي صورته و مجتمعه. وهذا يثبت عكس ما تبناه ” دوركايم ” من أن مواقف الأفـراد و تصوراتهم الذاتية و دوافعهم النفسية جزء من تمثلاتهم الاجتماعية.
و في هذا الإطار يشير” موسكو فيشي” ، بأن التمثلات الاجتماعية تحيط بمرحلة التفكير المصور من أجل إدماج التفكير التصوري، لكون التمثل هو وحــــدة الصور و المفاهيم و التفسيرات المعطاة للموضوع المدرك ؛ و يقول في هذا الصدد: “لا يمكن اعتبار التمثلات انعكاسا صافيا للموضوع المدرك أو شكلا من التفكير الملموس بل هي كل هذه الأشياء، كما أنها كذلك صناعة الموضوع و وسيط بين الـفرد و محيطـــه .
فالتمثل بهذا المعنى يأخذ وحدات الوضع القائم كحقيقة، و يعطي تفـسيرا و مغزى له، بناء على معارف أولية مكتسبة ، كما انه يرتبها و ينظمها مشكلا بذلك صورة محددة حوله، و ممارستها كتمثلات أخرى من طرف الأفراد المتمثلين، مع إعطائهم تفسيرات و مفاهيم و رموز داخل الوسط السوسيوثقافي الذي يعيشون فيه كأفراد اجتماعيين؛ إننا بهذا المعنى العام للتمثلات الاجتماعية نكون أمام نوع من التفكير الواقعي الذي يعبر عما هو ملموس ومعاين كقضايا و ممارسات يجسدها بالفعل الواقع الاجتماعي و الثقافي للمجتمع، و ليس أمام خيالات سوسيولوجية ذات صبغة وهمية منسوجة في المتخيل الجمعي للذي يمتلكه سلطة القرار الاجتماعي و السياسي الناظمة له.
و إذا كانت مكونات التمثلات الاجتماعية – كما هو موضح أثناء عرضنا لنظرية التمثلات لدى سيرج موسكو فيشي – تضم الصور و المواقف و المعارف و المفاهيم و المــعتقدات و الآراء و القيم الاجتماعية و الأخلاقية و الثقافية ، فإن هذه المكونات تشكل في تصورنا وحدة كلية للتمثلات يصعب تفكيكها أو تجزيئها، و بالتالي يصعب إحالتها لمواقف ذاتية محضة، كما هو الشأن في الطرح السيكولوجي، أو لمواقف اجتماعية صرف، كما هو الأمـــر بالنسبة “لدوركايم”.
و في ضوء ذلك نرى بأن الفرد المتمثل ليس مأمورا اجتماعيا أو آلة اجتماعية مسيرة من طرف المجتمــع أو الضمير الجمعي كما يؤكد ذلك “دوركايم” ، و إنما له نوعا من الاستقلالية الذاتية في الحكم على الأشياء، و في اتخاذ مواقف حيال الوضعية التي يوجد فيها كفرد اجتماعي. فتمثلاته تجاه الوقائع الاجتماعية و الأحداث الواقعية التي يفرزها الواقع الاجتمـاعي، و تجاه المتن المعرفي المروج سواء من طرف المؤسسة المدرسية، أو من طرف وسائل الاتصال، و باقي المؤسسات الاجتماعية و الثقافية الرسمية و غير الرسمية، يتحكم فيها من جهة تاريخه، زمنه التعليمي، آراءه الفكريـة و الأيديولوجيـة، و مواقفـــه و خياراته السياسية و الاجتماعية؛
و هذا ما أكده بالفعل ” سيرج موسكوفيشي ” في دراسته حول التحليل النفسي، حيث بين أن سلوكات الأفـراد أو الجماعات ليست محددة بواسطة المكونات الموضوعية للوضعية الاجتماعية المتخذة كتجربة فردية أوجماعية، و إنما من خلال تمثلاتهم لها، أي للوضعية المواجهـة أو المعيشة من طرفهم؛ و تلتقي وجهة النظر هاته مع الفكرة التي أشار إليها “بورديـــو”، والتي مفادها أن الجماعات لا تتميز بخاصية الملكية الفردية فقط ، {أجور مداخيل …} و إنما أيضا من خلال تمثلاتها الاجتماعية للوضعية الطبقية التي تحتلــها أو تنتمي إليـها، و للأدوار المناطة بها اتخاذها داخل الطبقة أولا، و داخل المجتمع ثانيا. ذلك لأن التمثل كتصور و كآراء و أفكار له تأثير مباشر على طبيعة السلوكات المتخذة من طرف الأفراد حيال الوضعية المدركة؛ بمعنى أن السلوكات المتخذة تتشكل حسب السياقات الاجتماعية المؤثـرة، و حسب الإدراكات المكونة عما هو مدرك إما كموضوع أو كشخص او حدث سياسي.
و يمكن الإشارة في هذا الصدد بأن سلوك الجماعة { أو الفرد } داخل وضعية ما ، تتطلب إيجاد حل لمشكل مطروح، ليس محددا – أي السلوك – من خلال نوع المهام المناطة بتلك الجماعـة، و إنما من منطلق التمثل المكون لديه حول هذه المهمـــة ، أي التصورات و التفسيــرات و المعارف المتراكمة لدى الجماعــة حول المهمة المستهدفة في عملهم. و لقد أتبثت مجموعة من التجارب، والنتائج المحصل عليها من طرف ” أبريك” بأن مجمــوع العمليات و السلوكات الصادرة عن الجماعة، تتحدد بشكل دائم من طرف التمثل للاعتبارات التالية :
• إن طبيعة العلاقات التي تطورها الجماعة و أيضا بنية التواصل المتبنى من طرفها تتحكم فيهما تمثلات الجماعة للمهمة المتخذة في هذه العلاقة، وكمثال يمكن سرده في هذا السياق هو ممارسة وظيفة معينة، فبالرغم من المعطيات العلمية ذات الصبغة التكوينية المكونة لدى صاحبها حيال الممارسة بعد عملية التكوين، فهناك معطى آخر يؤثر في هذه الممارسة ويرتبط أساسا بالتمثلات المكونة لدى الفرد نحو هذه الوظيفة، سواء أكانت إيجابية أو سلبية، و هو ما حاولنا الانطلاق منه في بعض الفرضيات الفرعية المتضمنة البحث العلمي الذي أنجزناه في هذا الإطار، للوقوف عند أثر تمثلات الطلبة لوظيفة التعليم على توافقهم المهني .
• إن نوع الإنتاج المحصل عليه من طرف الجماعة و درجة إتقانها له، بالإضافة إلى نوع المنطق المعرفي الموظف هو حصيلة تمثلات الجماعة ، و هذا يفسر بالملموس كون التمثلات الاجتماعية هي تجل من تجليات القيم التفسيرية للأحـداث الملاحظة ميدانيا و الممارسة واقعيا –على خلاف ما هو حاصل في الأطروحة الدوركايمية – و إمكانية مبحثية للوقوف على اتجاهــات ومواقف الأفراد حيال النظام الاجتماعي الذي ينتمون إليه ؛ و يرجع هذا المعطى الشمولي لتشعب مكوناتها ، بحيث يمكننا الكشف أن وظائف التمثلات الاجتماعـية و التربويـة و المبحثية جد مركبة، و من ثمَّ يصعب اختزالها إلى مكون بسيط محدود في نطاق ضيق من الناحيـة السيكوسوسيولوجــية و إقصاء بالتالي كل المكونات الأخرى المتداخلة و المتفاعلة و المؤثرة فيها سواء بشكل إيجـــــابي أو سلبي.
و بناء على ما تقدم نشير بأن التمثل انطلاقا من وجهة نظر”جو دليت” D,JODLET يعد مفهوما مركزيا لكل بحــث يخــص وضعيات أو عمليات تفاعلية:
• تفاعلات متعددة بين الأفراد و الجماعات و المؤسسات .
• تفاعلات أكثر حدة أحيانا بين الخـــطابات و الممارسات ، خصوصا على المستوى السياسي،
تفاعلات ما بين شبكات الاتصال التي ترسلها مختلف وسائل الإعلام السمعـيــة و البصرية و بين المستهلكين لمتنها المعرفي و القيمي و المدمنين على برامجها الثقافيـة و الفكريــة و السياسيـة و الترفيهية…
لقد حاولنا في هذه الورقة الوقوف على مجموعة من المقتضيات النظرية في الأطروحة المركزية لإميل دوركايم، و المتعلقة بموضوع التمثلات الجمعية ، محللين و معلقين على توجهاتها المذهبية و خلفياتها النظرية، خالصين إلى إبراز بعض المؤاخذات المسجلة حولها، خصوصا عندما يخضع التمثلات الجمعية لحتميات سوسيولوجية قابعة في الناظمة الاجتماعية الموكولة أساسا للمجتمع كمساق أيديولوجي و قيمي لأبعادها و مرتكزاتها السلوكية المرغوب فيها في ذوات الأفراد الاجتماعيين.
المراجع و الهوامش:
1. بحث لنيل دكتوراه الدولة تخصص علم النفس الاجتماعي، في موضوع: تمثلات المتعلمين للمعرفة المدرسية و علاقتها بتوافقهم الاجتماعي. دامعة محمد الخامس، كلية الاداب و العلوم الانسانية بالرباط،2004.
2. Sous la direction de, S ;MOSCOVICI : Psychologie sociale. Ibid. ,p :380.
3. Sous la direction de,ABRIC ,J, P :Pratiques sociale,représentations .Paris, Pu F 1994, p :29.
4. DURKHEIM,E : Représentations, individuelles et Représentations collectives. Dans « Sociologie et philosophie. Paris, PUF, 1974, émoticône tongue : 40 ,Cité par, MELLOUK, ibid. émoticône tongue :114.
5. Ibid. ,p :39.
6. تيماشيف ،نيكولا :نظرية علم الاجتماع، طبيعتها و تطورها .ترجمة مجموعة من الباحثين . القاهرة، ط، الخامسة ،1978، ص:169.
7. تيماشيف نيكولا ، نفس المرجع :الصفحة :171.
8. نقصد بها تلك المواقف المتحجرة و الأحادية الجانب من حيث تفسيرها و تصوراتها للمواضيع و القضايا المدركـــة أو المعيشة.
9. لقد أكد “بيار كليمونت ” أن مفهوم التمثلات نما في أحضان المعارضين للسلوكية، ذلك لأن تعبيراتنا الانفعاليــــــة و سلوكاتنا و تعبيراتنا الجسدية و اللفظية هي أحداث، و ليست إثارة خارجية ،بل يمكن اعتبارها تمثلات …راجع في هذا الموضوع:
Sous la direction de, GIORDAN, A, et autres : Conceptions et connaissances Collection, Exploration, Cours et contributions pour les sciences de l’éducation. Peter, Lang, 1992, pp. : 15.
10. CHARLOT,B ;FIGEAT, M : L’école aux enchères. Paris, Payot,1979 ,p :272.
11. MOSCOVICI,S : La psychanalyse, son image et son public. Paris, 2° éditions 1976 ,p : 46
12. Ibid. p :47
13. MOSCOVICI : Introduction à la psychologie sociale. Paris, Larousse,1973, T : 2 T,p : 40.
14. ABRIC, J, C : Pratique sociale, représentations. Paris PUF, 1994, p: 223.
15. أنظر بحثنا: محمد لمباشري: تمثلات المتعلمين للمعرفة المدرسية و علاقتها بتوافقهم الاجتماعي. بحث لنيل دكتوراه الدولة تخصص علم النفس الاجتماعي، 2004.
16. abric Ibid. , P p: 223. 224.
17. وهو ما يؤكده علماء النفس المعرفيون أنظر في هذا الإطار : “جوردان GIORDAN ,A ، مرجع سابق :ص :16
18. Dans Encyclopédie de l’éducation et de la formation …ibid. p :869.
د. محمد لمباشري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*