الرئيسية / للقارئ راي / التكوين المهني بوابة للتنمية

التكوين المهني بوابة للتنمية

احمد الحصار
تولي الدول المتقدمة أهمية خاصة للتكوين المهني، إذ لا يمكن أن تلج أي مهنة إلا عبر مرورك من بوابة التكوين، و تتراوح مدة التكوين في اي مجال مهني ما بين ستة أشهر و سنتين، يزاوج خلالها المتدرب بين الشقين النظري و التطبيقي تماما كما هو معمول به في معاهد التكوين بالمغرب، غير أن هناك فروقا بطبيعة الحال والتي سنحاول التطرق إلى بعضها في هذه التدوينة.
أولا، وكما أشرنا إلى ذلك، كل المهن تتطلب التكوين؛
ثانيا، يكون التكوين المهني أحيانا بتمويل من المشغل نفسه؛
ثالثا، تبرم مؤسسات التكوين اتفاقيات مع المقاولات لتحديد الخصاص من الموارد البشرية؛
رابعا، تؤدي المقاولات عن فترة التدريب و غالبا ما تقترح هذه المقاولات على المتدرب الانخراط معها في عقود عمل دائمة؛
خامسا، تتوزع معاهد التكوين إلى معاهد عمومية و أخرى خاصة غير أن المقيمين في هاته البلدان او المزدادين فيها لهم الحق في منحة شهرية تغطي فترة التكوين و حتى لو أدى من ماله الخاص فله الحق في استرداد هاته المبالغ عند تسجل الضرائب علما ان كل فرد، مهما كان، ملزم سنويا بإعلان دخله الفردي؛
سادسا،ينخرط طلاب مؤسسات التكوين المهني في تنظيمات طلابية قوية جدا تدود عن مصالحهم؛
سابعا، تتوفر جل المؤسسات على أحدث الوسائل التي تساعد على التكوين الفعال.
اما عن فترة ما بعد التخرج، و باعتبار أن التكوين المهني يغطي جميع الحرف و المهن، من حلاقة و بناء و حراسة خاصة و سياقة وجزارة و غيرها، و على اعتبار كذلك أن هاته البلدان صناعية و استهلاكية بامتياز، فلا يجد المتخرج عناء في الحصول على الشغل؛ بل معظم هؤلاء الحرفيين يتقاضون اجورا قد تكون هي الأعلى في المجتمع و قد تضاهي أجرة الطبيب في احايين كثيرة، و هنا تكفي الإشارة إلى المستوى المعيشي للبناء مثلا، إذ يملك هذا الأخير غالبا أحدث الصيحات من السيارات و المنازل و غيرها من مؤشرات العيش الرغيد، وقس عليه الرصاص و الكهربائي و الميكانيكي وغيرهم.
نعم، التوجه الذي دعا له جلالة الملك، توجه سليم و مبني على رؤية استباقية للأمور، فلا يمكن على كل حال للدولة استيعاب آلاف المتخرجين من الجامعات، لكن على مهندسي القرار التحلي بالموضوعية وقليل من الجرأة السياسية قصد إعطاء التكوين المهني صبغة المهننة professionnalisation التي يجب أن تميزه، و لا يمكن الوصول إلى هاته الغاية دون إعطاء قيمة valorisation لكل المهن و الحرف التي تدرج في مؤسسات التكوين؛ بل الأبعد من ذلك يجب التنصيص على حتمية التكوين في جميع المجالات، مع المرور من سلمية الحرفيةمن متدرب إلى مساعد ثم محترف فخبير، وكل هؤلاء ينخرطون في شركات قائمة بذاتها تأخذ ما لها و تؤدي ما عليها. على هذا الأساس، سيصبح المواطن في معاملاته اليومية أمام مؤسسات مهيكلة تحترم دفتر تحملاتها. و سيكون الحرفي أمام قطاع مهيكل ضامن لجميع حقوقه كمهني. كل هذا مثالي، لكن العائق أمام تحقق هاته الرؤية هو القدرة الاستهلاكية للمواطن. هل سيكون بمقدور مواطن بسيط مثلا الحصول على خدمات رصاص او بناء وفق عقد ضامن لحقوق الطرفين؟ في الوقت الحالي بالطبع غير ممكن، لأن معدل الدخل الفردي بالمغرب لا يمكن مواطنا بسيطا من تحمل تكلفة عقد كهذا خاضع لدفتر تحملات يضمن حقوقه و حقوق المهني وحقوق الدولة كذلك.
إذن كي نخرج من هذا المأزق، على الدولة ان توسع أفق رؤيتها بالرفع من الحد الأدنى للأجور و تحسين مستوى الدخل الفردي حتى يصبح المواطن قادرا على تحمل مصاريف الخدمات المهنية المقدمة إليه، وخلق نظام اجتماعي يضمن لجميع الفئات حق العيش الكريم، بجعل معدل الدخل الفردي مثلا مئة وعشرين الف درهم سنويا مع إجبار الجميع على التصريح بدخلهم سنويا لدى مصلحة الضرائب، فإن تعدى دخله هذا المبلغ، عليه إرجاع نصيب من مدخوله إلى الدولة و إن لم يصل إليه فله الحق أن يستفيد من دعم للدولة ( ليس بالضرورة دعما ماديا؛ بل قد يكون بالمصاحبة و المواكبة و التوجيه) حتى يتمكن من الوصول اليه بتنمية قدراته الذاتية ليتسنى مواكبة التطوير المهني le développement professionnel ، هكذا على الأقل و كما هو معمول به في الدول المتقدمة سنحاول خلق توازن يضمن الحد من الطبقية و من تمة سنعزز القدرة الاستهلاكية للمواطن و ستتعزز معها مهننة المهن و الحرف ويمكننا التطلع إلى تنمية شمولية بالنزوع نحو التصنيع عوض انتظار المحصول الفلاحي كل سنة. ولدى بلدنا كل الإمكانيات المادية و اللامادية التي تخوله دخول عالم التصنيع. فقط يجب الثقة في مؤسساته عبر إسناد تسييرها للأطر التي تتسم بالكفاءة لأن ما ينقصنا فعلا في وطننا الحبيب هو الحكامة gouvernance .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*